الشيخ محمد رشيد رضا
246
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذا الفريق من الناس يوجد في كل أمة وتختلف الخلابة اللسانية في الأمم باختلاف الاعصار ، ففي بعض الأزمنة لا يتيسر للواحد أن يغش بزخرف القول إلا الفرد أو الافراد المعدودين ، وفي بعضها يتيسر له أن يغش الأمة في مجموعها حتى ينكل بها تنكيلا « 1 » وإن الجرائد في عصرنا هذا قد تكون طريقا للغش العام ، كما تكون طريقا للنصح العام ، وانما يكون تلبيسها سهلا على من يعجب العامة قولهم في الأمم التي يغلب فيها الجهل لا سيما في طور الانتقال من حال إلى حال إذ تختلف ضروب الدعوة وطرق الارشاد « 2 » وفي الآية وجه آخر ذهب اليه بعض المفسرين وهو أن الظرف [ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ] متعلق بالقول قبله ، أي يعجبك قوله إذا تكلم في شؤون الحياة الدنيا وأحوالها ، وطرق جمع المال وإحراز الجاه فيها ، لان حبها قد ملك عليه أمره ، والميل إلى لذاتها وشهواتها قد استحوذ على قلبه ، وصار هو المصرّف لشعوره ولبه ، فينطلق لسانه - ومثله قلمه - في كل ما يستهوي أصحاب الجاه والمال ، ويستميل أهل السيادة والسلطان ، ولكنه إذا تكلم في أمر الدين جاء بالخطل والحشو ، ووقع في العسلطة واللغو ، فلا يحسن وقع قوله في السمع ، ولا يكون له تأثير في النفس
--> ( 1 ) في التاريخ شواهد كثيرة على هذا من أعجبها أن غليوم دورانج الماكر الهولندي كاد ( لجان وكورنيل دي ويت ) مؤسسي جمهورية هولندا في القرن السابع عشر اللذين خدما أمتهما بغاية الاخلاص وهيج الأمة عليهما باسم الوطنية والدعاوي الكاذبة حتى قتلتهما شر قتلة . وكم رأينا من مضرات مدعي خدمة الوطن في هذه البلاد ولا نزال نرى ( 2 ) مثال ذلك حال أمتنا اليوم فإنك ترى من المفتونين بحب المال والجاه والانغماس في اللذات من يخادعها بوساوس السياسة وأوهام الوطنية لأجل الوصول إلى شهواتهم ، ونرى من المخلصين من يدعو إلى الاعتصام بعروة الدين لأجل جمع القلوب ، والتخلص من جيوش الفسق ، كالخمر والقمار والزنا المبيدة للأموال المفسدة للأخلاق ، وينهى عن الاغترار بوساوس السياسة والاشتغال بها عن العلم وتوفير الثروة ، وتجد المخادعين يناصبونهم حتى باسم الدين ، والاعمال هي الشاهدة على حقائق الأحوال